موقع مقالة نت
اهم المقالات التي تهم القارئ العربي

قراءة في “النمر العاشب”.. نصوص سرديّة لعبد القادر وساط

0 10

خاص – مكتب أثير في تونس
قراءة: محمد الهادي الجزيري

هؤلاء المغاربة يتوغّلون في حقل الإبداع حثيثا ولا حدّ لهم ولأقلامهم، هذا أوّل ما يتبادر إلى الذهن وأنا ألقي بنفسي في هذا المحيط الهادر الذي اختار له عبد القادر وساط عنوان “النمر العاشب” وهو مزيج من هواجس القاصّ وهلوسات المثقف وتهويمات المفكّر وأحلام الكهل/ الطفل هو خلاصة تجربة حياة وقراءات وتأملات، منذ البداية وقبل أن تتعرّف على الكاتب المغربي ونصّه.. يأخذك من تلابيبك وأمّ رأسك إلى أسماء وكائنات تعرفها أو قرأت عنها، وتجد نفسك سابحا في كلّ هذا الخليط العجيب الواقعي السريالي، وأنت تلتهم السطور والجمل والفقرات بنهم غريب، وتلتقي بشخصيات في ذاكرتك ظننت أنّها ماتت من كثرة النوم أو ربما النسيان والسهو وعدم الاستعمال، وهذا هو الأدب المغربي الجديد…

“في تلك اللحظة بالذات، تذكرت إميلي برونتي أن ليندلي لم يعد له رأس. عادت تصرخ بأعلى صوتها:
– مستر ليندلي! كيف استطعت العودة؟ ألم يعدموك الأسبوع الماضي؟ ألم يقطعوا رأسك؟ أجبني! مستر ليندلي! يزعم أهل القرية أنك أعطيتَ الجلاد قطعة ذهبية حتى يُحكم الضربة، وحتى لا تَشعرَ بأي ألم، عند انفصال الرأس عن الجسد. هل هذا صحيح؟
لكن الجار ليندلي مضى مبتعدا، وهو يترنح في مشيته، دون أن يلتفت إليها”

يستمرّ الكاتب عبد القادر وساط استدراج كائنات الذاكرة المقروءة ويتكلّم على ألسنتهم ويحكي ما جرى أو ما تخيّله يجري عليهم، فبعد كافكا وغوركي وسقراط إلى آخر المشاهير الذين مرّوا بجملة معارف الكاتب، يحطّ الرحال ويسكن في جسد ماكس إرنست ويفتتح الحديث بالجملة المعادة ككلّ مرّة (فيما يرى النائم) ويبني حكايته الموهومة والواقعية في كثير الأحيان..:

“رأى الرسام والنحات ماكس إرنست، فيما يرى النائم، أنه قضى ليلته وحيدا في غرفة بفندق موربيهان، وأنه عندما أراد الخروج في الصباح، لم يجد للغرفة باباً.
كانت هناك نافذة وحيدة، تطل على حديقة عمومية، وسِوى تلك النافذة لم يكن هناك أي منفذ إلى العالم الخارجي.
ظنّ ماكس إرنست في البداية أنه لا يزال تحت تأثير النوم. فركَ عينيه جيدا، وتمطى وتثاءب بعمق، ودقق النظر عدة مرات. كانت الغرفة فعلا دون باب”.

هذا الكاتب منفلت مراوغ أبدا، يأخذك من يدك كما الأعمى ويدخل بك عوالم مختلفة ويُجلسك حذو شخصيات تاريخية وحقيقية كانت لها جولات وصولات في تاريخ الأدب والفنّ عموما، فبعد أن مرّ على كلّ من (الملك أوديب وأنتيغون ..ودستوفسكي وسوركن بولص وخوسي ساراماغو وألبيرتو ساڤينيو  وفيرناندو  بيسوا..) إلى آخر العباقرة الأفذاذ توغّل بنا عند حبيبنا محمد شكري، وأوغل في خياله وهلوساته وشطحاته، فهو يرى ما يريد أن يرى، وله الحقّ في ذلك، إذ أنه كاتب النصّ وفاطر الفكرة..:

“رأى محمد شكري، فيما يرى النائم، أنه في قصر الفرعون تحتمس الثالث، في مصر، من أجل استلام جائزة رع الأدبية، عن روايته “الخبز الحافي”.

كان الكاتبُ المغربي يتقدم عبر ممر طويل، يصطف فيه عدد كبير من الجنود باللباس الرسمي للحرس الفرعوني.
وإذْ بلغَ نهاية الممر، وجد نفسه في قاعة فسيحة، تتدلى من سقفها ثريات بديعة الصنع. ثم رأى تحتمس الثالث واقفا في وسط القاعة، وعلى رأسه التاج الفرعوني، وبجانبه زوجته نبتو، التي كانت ترتدي ثيابا شفافة، مرصعة بالذهب، وتضع حول عنقها عقدا يخلب الأبصار.
كان الفرعون وزوجته يقفان أمام التمثال الذهبي لحورس.
وعن يسار التمثال كان يقف سنفر، مدير ثروات الفرعون وحامل أختامه.
اقترب محمد شكري من تحتمس الثالث وزوجته نبتو، فلاحظ أن تلك الزوجة الجميلة ليست في حقيقة الأمر سوى الممثلة المشهورة إيزابيل أدجاني.
كان محمد شكري يشعر عندئذ برغبة شديدة في التدخين، لكنْ هل يمكن إشعال سيجارة في حضرة الفرعون تحتمس وزوجته نبتو؟”

هذه عينات قليلة من متن سرديّ مفتوح على الآفاق، أبوابه مشرعة لكلّ ريح، وإني أحييّ على شجاعته في اختيار هذا المنهج والسياق، الشبيهان بالأحلام وأحيانا كثيرة بالكوابيس، كم نحن نتوق إلى أدب مثل هذا الأدب القاتل القتيل، بمعنى متن سرديّ متهوّر، مجنون، فيه الكثير من العقل والعلم والمعرفة، أنصح كلّ قارئ أن يقتني كتاب “النمر العاشب” ففيه متعة التهويم مع نصوص كثيرة، سكنت الذاكرة وتحتاج ريحا تهزّها وتنعشها ببعض الهواء.

اضف تعليق