موقع مقالة نت
اهم المقالات التي تهم القارئ العربي

قطر، الغرب، وكأس العالم..محمد ياغي

0 3

قطر، الغرب، وكأس العالم..محمد ياغي

2022 Nov,25

منذ أن نجحت قطر العام ٢٠١١ في الحصول على موافقة الفيفا بعقد كأس العالم على أراضيها العام ٢٠٢٢ لم تتوقف ماكينة الإعلام الغربي عن توجيه أصابع الاتهام لها تارة برشوة عدد من أعضاء الفيفا للحصول على موافقتهم، وأخرى بانتهاكها لحقوق الإنسان تحت مسمى الدفاع عن العمالة الوافدة والمثليين، وأخيرا بأنها تتسبب في خسارة العديد من الشركات بمنعها المشروبات الكحولية في الأماكن الملاصقة للملاعب.  
الحملة ضد قطر اشتملت على ادعاءات بأنها قامت بإنفاق ما قيمته «٢٣٠» مليار دولار من أجل إيجاد بنى تحتية لاستضافة كأس العالم علما أن غالبية المشاريع التي نُفذت كانت جزءا من «رؤية قطر ٢٠٣٠» التي تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة بحلول ذلك العام وهذا يتطلب منها ضمن أشياء عديدة، بنية تحتية حديثة مثل المترو وشبكات الطرق ومشاريع الطاقة البديلة، وجميعها يمكن الاستفادة منه قطعا في تسهيل استضافة كأس العالم ولذلك جرى تسريع تنفيذها لهذا الغرض.
لقد بلغت الحملة المعادية ذروتها قبل افتتاح كأس العالم بعدة أيام عندما صرحت وزيرة الداخلية الألمانية في إشارة لقطر بأن دولة «كهذه» ما كان يجب أن يُسمح لها باستضافة كأس العالم، وهو تصريح عنصري، استعلائي لم يحدث مسبقا في تاريخ كرة القدم أو في أحداث رياضية عالمية سابقة.
في السابق استغل الغرب وحلفاؤه الأولمبياد لإرسال رسائل سياسية ضد الاتحاد السوفييتي في عصر الحرب الباردة، حيث قاطع أكثر من 62 دولة الدورة 22 للألعاب الأولمبية التي نظمت العام 1980 بموسكو احتجاجا على التدخل العسكري السوفياتي في حينه بأفغانستان.
وفي بداية العام الحالي قاطعت الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلاند وبريطانيا «دبلوماسياً» الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، بذريعة قيام الأخيرة بانتهاك حقوق الإنسان في هونغ كونغ والمناطق التي يقطنها مسلمو الأويغور.
لكن حملات المقاطعة لم تتضمن تصريحات عنصرية، وكانت محاولات لاستغلال حدث رياضي للتعبير عن موقف سياسي.
في الحالة القطرية هنالك عنصرية غربية واستعلاء ومحاولات لفرض «قِيم» لا يوجد عليها إجماع حتى في الغرب على دولة عربية لها قيم وتقاليد وجذور ثقافية مغايرة.
لن يكون مجدياً مقارنة «قِيمنا» مقابل «قِيمِهم» ، فهذا نقاش عبثي لأن القِيم في النهاية هي حصيلة مسار تاريخي تتداخل فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية تَنتج عنه في النهاية ثقافة معينة.
في الغرب، النظام الرأسمالي قائم على «التسليع» وهو يعزز بالتالي كل «قيمة ثقافية» تنتج بالضرورة مردوداً مادياً. القيم التي لا تنتج مردوداً مادياً لا يتم استدعاء الإعلام للحفاظ عليها أو للدفاع عنها لأن ذلك في نظرهم استثمار في غير محله أو استثمار بلا فائدة مادية.
مثلاً، إذا كانت أفلام البورنو تقوم بتشغيل الآلاف وتقوم بإدخال مليارات الدولارات فيجري الدفاع عمن يعمل فيها تحت مسمى حماية الحقوق الفردية التي لا يمكن المس بها، ويجري سن القوانين لحماية هذا النوع من العمل. لكن الحقيقة أن كل ما يجري هو عملية «تسليع» لجسد المرأة والرجل، أي تحويله لبضاعة قابلة للبيع والشراء لصالح الشركات التي تجني مليارات الدولارات.
«المثلية» ظاهرة موجودة منذ آلاف السنين، لكن ما يقوم به الغرب الآن هو أيضاً محاولة تحويل هذه الظاهرة لسلعة.
احتفالات المثليين السنوية، وجود مقاهٍ وبارات ومنتجات خاصة بهم وأفلام سينمائية تتحدث عنهم أو هم جزء منها… كل ذلك ينتج مردوداً مادياً أيضاً بعشرات المليارات من الدولارات، وهي للغرب بالتالي مسألة اقتصادية في المقام الأول لكنها ترتدي لباساً «حقوقياً» أو «أخلاقياً».
كان بإمكان الغرب الرأسمالي أن يكتفي بسن القوانين التي تُجرم التميز ضدهم مثلاً، لأن الغرب هو من كان يطاردهم بالسجن والطرد من العمل والإيذاء الجسدي.
العرب والمسلمون رفضوا الظاهرة أخلاقياً لكنهم تجاهلوها اجتماعياً واعتبروها مسألة يتم حلها داخل الأسرة نفسها دون تدخل خارجي.
قلنا لن يكون مجدياً مقارنة «قِيمنا» مقابل «قِيمِهم» لكن من المُجدي مقارنة «هَمجيتنا» مقابل «هَمجيتهم».
يقولون إن قطر دولة لا تحترم حقوق الإنسان والتعبير (استبدل قطر بالعرب والمسلمين عند القراءة) لكن تعالوا نرَ من لا يحترم هذه القيم حقيقة.
في المائة عام الأخيرة تسبب الغرب في مقتل أكثر من مائة مليون إنسان في حربين عالميتين شنهما من أجل التوسع والنفوذ السياسي والاقتصادي، والغرب هو من يسعى اليوم للاحتفاظ بالقدرة على تدمير العالم من خلال امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل بدلاً من القيام بتدميرها.
أميركا وحدها تسببت في مقتل أكثر من مليون عراقي بالحصار الاقتصادي على العراق أولاً، ومن ثم بتدميره حرفياً بالطائرات والصواريخ والمدافع.
فرنسا تسببت في مذابح في دول أفريقية عديدة بهدف إحكام سيطرتها عليها ونهب خيراتها.
بريطانيا شاركت الولايات المتحدة في تدمير العراق، وحولت أكثر من سكان نصف العالم في القرن التاسع عشر عبيداً لخدمة أهدافها.   
حرية التعبير في الغرب أيضاً تتوقف إذا أدان أحدهم إسرائيل على جرائمها واحتلالها وإذا دعا لمقاطعتها اقتصادياً.
العرب والمسلمون لم يرتكبوا جريمة جماعية، وإن انحرف بعضهم باتجاه الإرهاب مثل داعش والقاعدة فهم لا يمثلون شعوبهم أو دولهم أو «الثقافة» التي يدعون الانتماء إليها.
بلا شك تحتاج الشعوب العربية إلى الحرية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، لكن لا علاقة بين هذه وبين نفاق الغرب بشأن حقوق الإنسان.
أميركا وبريطانيا مثلاً هما من أعادتا إيران من الديمقراطية العام ١٩٥٤ إلى الدكتاتورية بتنظيم انقلاب عسكري فيها.
والغرب عموماً تعامل مع الدكتاتوريات في العالم أجمع عندما كانت مصالحه معها من نظام بينوشيه في تشيلي إلى نظام فيرديناند ماركوس في الفلبين إلى نظام الجنرال ضياء الحق في باكستان.
الهجوم على دولة قطر إذاً ليس له علاقة «بالقيم الإنسانية» التي يدعي الغرب دفاعه عنها، ولكنها الكراهية لرؤية دولة عربية قادرة على تنظيم حدث عالمي مثل كأس العالم، وهو ما يكشف حقيقة نظرة الغرب «الدونية» للآخر المختلف عنه ورغبتهم في بقاء العرب والمسلمين «خارج التاريخ».

اضف تعليق