موقع مقالة نت
اهم المقالات التي تهم القارئ العربي

ماذا يريد إبراهيم جابر إبراهيم من “عيد ميلاد أسمهان”

0 5

أثير- مكتب أثير في تونس

إعداد: محمّد الهادي الجزيري

أعود إلى ربع قرن من الزمن ..إلى بغداد حيث يُقام مهرجان المربد ..، كانت أحلاما على شكل أيام ولقاءات وعلاقات ..من ضمنها علاقتي بالشاعر المتخفّي إبراهيم جابر إبراهيم كما دأبت على تسميته بعد توطيد صداقتنا ..، اليوم وكلّ منّا يحفر مجراه الإبداعي ..، أقرأ روايته ” عيد ميلاد أسمهان ” ..وأعرضها على القراء ..، أعرض شاعرا يخجل من تسميته بهذه الصفة ..وكلّ ما يأتيه من لغة وصور ومجاز وتشبيه ..يؤكد ذلك ..، أعرض وجهي الآخر ..، وجهي القديم ..ولعلّه متجدّد ..مثل حبّي له وتحيّتي له : ” الله بلخير ” كما كنت ألوّح له من أمام الفندق منصور ميليا ..، وكم كان شبيهي وكنت شبيهه ….

“أنتِ امرأةٌ صغيرةٌ في غابةٍ ملعونة، والنّاس من حولك ألغام موقوتة.”

هكذا تقول أسمهان مُخاطبةً نفسها، وفي الحقيقة هي تقول الكثير مُتحدّثةً عن نفسها في علاقتها بالمجتمع والعالم والأشياء الصّغيرة الّتي تُحبّها وتخشى فقدانها. وقد أعجبتني كثيرًا روايةُ عيد ميلاد أسمهان لعددٍ من الأسباب، وفرحتُ كثيرًا بخوض صديقي الكاتب والشّاعر الكبير إبراهيم جابر إبراهيم تجربة الرّواية، بعد عقودٍ من كتابة الشّعر، وعقودٍ أيضًا من صداقتنا الّتي لطالما حافظ فيها على ألقه وشاعريّته العالية.

صدرت رواية عيد ميلاد أسمهان عن دار مسكلياني في عام 2020، وهي روايةٌ يفوح منه الشّعر، وظّف فيها إبراهيم جابر إبراهيم كلّ خبراته ومعارفه ليكتب شخصيّة أسمهان على نحوٍ يجعل نظرتها إلى العالم والمجتمع مُمتعَة ومُسائلَة في آنٍ. إنّ أسمهان تؤمن بالأوهام أكثر من الحقائق، فالأوهامُ توفّر لها حُريّةً، أمّا الحقائق فتقمعها، الأوهام تحميها من تنمّر الآخرين على عرجها،فهي الطّفلة “العرجاء” الّتي كبرت وصارت امرأة، وهي تلك الّتي تحاول جاهدة التخلّص من آلامٍ حفرها الآخرون داخل ذاتها منذ صِغرها. نحنُ نعلم أنّ الحقائق مؤلمة وقاسية مثلما نعرف، خاصّة عندما تتعاقب هزائم أحدنا، ويحاول جاهدًا تحمّل ضربات الحياة المتتالية بصبر مُلاكم محترف. وتؤكّد أسمهان هذا الأمر بقولها: “كثيرًا ما صنعتُ أوهامًا صغيرةً، وكبيرةً، وعشتُ معها. لا جدوى من الأوهام؛ هذا رأي كثيرين. لكنّي لا أتّفق معهم. الأوهام ضروريّةٌ، ولعلّها أهمّ من فكرة الأهداف. فكرةُ أن يكون لك هدفٌ في الحياة فكرةٌ مدرسيّةٌ لا أحبّها. أشعر أنّها توضع لعرقلة الأحلام اللّذيذة وجعلِ الحياة أصعبَ ممّا هي عليه في الحقيقة. الأوهام هي أن تحقّق فورًا ما تفكّر فيه، وأن تستمتع بلا حدودٍ، وبلا كُلفةٍ. من يستطيع مقاومة ذلك؟“.

إنّ ما شدّني إلى رواية عيد ميلاد أسمهان هو قدرة إبراهيم جابر إبراهيم على التوغّل في أعماق الشخصيّة بطريقة تجعلنا نحسّ بأنّها شخصيّة حقيقيّة تعيش معنا، وتشاركنا هواجسها وأحلامها وأشياءها الصّغيرة، وأنّها مثل كلّ النّاس، تُقاوم من أجل ألّا تفقد ما تُحبّ ومن تُحبّ. تبدأ الرّواية باستعداد أسمهان للاحتفال بعيد ميلادها الثّلاثين، وبالتزامن مع ذلك تبدأ الأزمات في الظّهور، فيمضي السّردُ في مسارٍ يُروى لنا فيه ما يحدُث معها، ويُروى لنا أيضًا ما حدَث أثناء سنوات حياتها السّابقة. أسمهان بسيطة وحالمة، تُحبّ عالمها الصّغير ولا تحلم بخلودٍ أو شهرة، إنّها تريد حبًّا حقيقيًّا دافئًا، وترغب في ألّا يتهاوى عالمها الصّغير، فهل ستتيح لها الحياة امكانيّة تحقيق ذلك؟

تسألُ أسمهان عن هويّة من اخترع مصطلح الفرصة الثّانية، فتقول: “من الّذي اخترع مصطلح الفرصة الثّانية؟ من المؤكّد أنّه كان شخصًا يفشل في المرّة الأولى من كلّ شيء.”

ومن ضمن المقاطع الّتي أعجبتني في رواية عيد ميلاد أسمهان، اخترتُ لكم هذا المقطع:

“ربّما أنا الوحيدة التي تدخل في النوم بِنِيَّة الحلم. بل إنّني منذ سنوات صرتُ أختار أو حتّى أحدّد موضوع الحلم قبل أن أنام. الأمر عندي في غاية المتعة. أتلذّذ بالأحلام أكثر من أيّ لذّةٍ أخرى. ولطالما أثارت الأحلام فضولي لأسأل: من أين تأتي في اللّيل هذه الأماكن والأثاث والشّوارع التي لم نرها قبل ذلك ولم نعرفها؟ ثمّة في الحلم “كلفة إنتاج” ضخمة. هناك تجهيزات، وأبطال، وممثّلون كومبارس، وأشكّ أنّها تستخدم مرّةً ثانيةً في حلم شخصٍ آخر. فكيف يتمّ تأمين ملايين الأماكن وقطع المفروشات والمستلزمات المختلفة، لملايين الأشخاص الذين يحلمون في الساعة ذاتها، من دون أن يتكرّر أيّ مشهدٍ في حلمين اثنين؟ لطالما شغلتني هذه الفكرة. ولم أفكّر مرّةً أنّها فكرةٌ طريفةٌ، بل كانت تبدو لي فكرةً مرعبةً.

اضف تعليق